فصل: الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 7‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 سورة المعارج

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏ سأل سائل بعذاب واقع ‏.‏ للكافرين ليس له دافع ‏.‏ من الله ذي المعارج ‏.‏ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ‏.‏ فاصبر صبرا جميلا ‏.‏ إنهم يرونه بعيدا ‏.‏ ونراه قريبا ‏}‏

‏{‏ سأل سائل بعذاب واقع‏}‏ أي استعجل سائل بعذاب واقع، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف اللّه وعده‏}‏‏.‏ قال النسائي، عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سأل سائل بعذاب واقع‏}‏، قال النضر بن الحارث وقال العوفي عن ابن عباس ‏{‏سأل سائل بعذاب واقع‏}‏ قال‏:‏ ذلك سؤال الكفّار عن عذاب اللّه وهو واقع بهم، وقال مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سأل سائل‏}‏ دعا داع بعذاب واقع يقع في الآخرة، قال وهو قولهم‏:‏ ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة

من السماء أو ائتنا بعذاب أليم‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏للكافرين‏}‏ أي مرصد معد للكافرين، ‏{‏ليس له دافع‏}‏ أي لا دافع له إذا أراد اللّه كونه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏من اللّه ذي المعارج‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ذو الدرجات، وعنه‏:‏ ذو العلو والفواضل، وقال مجاهد ‏{‏ذي المعارج‏}‏ معارج السماء، وقال قتادة‏:‏ ذي الفواضل والنعم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تعرج الملائكة والروح إليه‏}‏ قال قتادة ‏{‏تعرج‏}‏ تصعد، وأما الروح فيحتمل أن يكون المراد به جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام، ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء، كما دل عليه حديث البراء، في قبض الروح الطيبة وفيه‏:‏ ‏(‏فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللّه‏)‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏}‏ فيه أربعة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل السافلين، وهو قرار الأرض السابعة، وذلك مسيرة خمسين ألف سنة‏.‏ عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏}‏ قال‏:‏ منتهى أمره من أسفل الأرضين، إلى منتهى أمره من فوق السماوات خمسين ألف سنة ‏"‏رواه ابن أبي حاتم‏"‏‏.‏ القول الثاني‏:‏ أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق اللّه هذا العالم إلى قيام الساعة، قال ‏:‏ الدنيا عمرها خمسون ألف سنة، وذلك عمرها يوم سماها اللّه عزَّ وجلَّ يوماً‏.‏ وعن عكرمة‏:‏ ‏{‏في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏}‏ قال‏:‏ الدنيا من أولها إلى آخرها مقدار خمسين ألف سنة لا يدري أحد كم مضى ولا كم بقي إلا اللّه عزَّ وجلَّ ‏"‏أخرجه عبد الرزاق عن عكرمة‏"‏‏.‏ القول الثالث‏:‏ أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة وهو قول غريب جداً، روي عن محمد بن كعب قال‏:‏ هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة ‏"‏رواه ابن أبي حاتم‏"‏‏.‏ القول الرابع‏:‏ أن المراد بذلك يوم القيامة، وبه قال الضحّاك وابن زيد وعكرمة، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏}‏ قال‏:‏ هو يوم القيامة جعله اللّه تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال، قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏}‏ ما أطول هذا اليوم‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد وابن جرير‏"‏‏.‏ وقال الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعل صفائح يحمي عليها في نار حهنم، فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم اللّه بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاصبر صبراً جميلاً‏}‏ أي اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، واستعجالهم العذاب استبعاداً لوقوعه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق‏}‏، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إنهم يرونه بعيداً‏}‏ أي وقوع العذاب، وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع بمعنى مستحيل الوقوع ‏{‏ونراه قريباً‏}‏ أي المؤمنون يعتقدون كونه قريباً وإن كان له أمد لا يعلمه إلا اللّه عزَّ وجلَّ، ولكن كل ما هو آت فهو قريب وواقع لا محالة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏8 ‏:‏ 18‏)‏

‏{‏ يوم تكون السماء كالمهل ‏.‏ وتكون الجبال كالعهن ‏.‏ ولا يسأل حميم حميما ‏.‏ يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ‏.‏ وصاحبته وأخيه ‏.‏ وفصيلته التي تؤويه ‏.‏ ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ‏.‏ كلا إنها لظى ‏.‏ نزاعة للشوى ‏.‏ تدعوا من أدبر وتولى ‏.‏ وجمع فأوعى ‏}‏

يقول تعالى العذاب واقع بالكافرين ‏{‏يوم تكون السماء كالمهل‏}‏، قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ أي كدردي الزيت، ‏{‏وتكون الجبال كالعهن‏}‏ أي كالصوف المنفوش، قاله مجاهد وقتادة، وهذه الآية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتكون الجبال كالعهن المنفوش‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يسأل حميم حميماً يبصّرونهم‏}‏ أي لا يسأل القريب قريبه عن حاله، وهو يراه في أسوأ الأحوال فتشغله نفسه عن غيره‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من بعض بعد ذلك، يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى‏:‏‏{‏واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً‏}‏، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه * كلا‏}‏ أي لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض، وبأعز ما يجده من المال، ولو بملء الأرض ذهباً، أو من ولده الذي كان في الدنيا حشاشة كبده، يود يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب اللّه به، قال مجاهد والسدي‏:‏ ‏{‏فصيلته‏}‏ قبيلته وعشيرته، وقال عكرمة‏:‏ فخذه الذي هو منهم، وقوله‏:‏ تعالى‏:‏ ‏{‏إنها لظى‏}‏ يصف النار وشدة حرها ‏{‏نزاعة للشوى‏}‏، قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ جلدة الرأس، وعن ابن عباس‏:‏ ‏{‏نزاعة للشوى‏}‏ الجلود والهام، وقال أبو صالح ‏{‏نزاعة للشوى‏}‏ يعني أطراف اليدين والرجلين، وقال الحسن البصري‏:‏ تحرق كل شيء فيه ويبقى فؤاده يصيح، وقال الضحّاك‏:‏ تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تدعوا من أدبر وتولى * وجمع فأوعى‏}‏ أي تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم اللّه لها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر، كما يلتقط الطير الحب، وذلك أنهم كانوا ممن أدبر وتولى، أي كذب بقلبه وترك العمل بجوارحه ‏{‏وجمع فأوعى‏}‏ أي جمع المال بعضه على بعض، فأوعاه أي أوكاه ومنع حق اللّه منه، من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة، وقد ورد في الحديث‏:‏ ‏(‏ولا توعي فيوعي اللّه عليك‏)‏، وكان عبد اللّه ابن عكيم لا يربط له كيساً، يقول، سمعت اللّه يقول‏:‏ ‏{‏وجمع فأوعى‏}‏، وقال الحسن البصري‏:‏ يا ابن آدم سمعت وعيد اللّه ثم أوعيت الدنيا، وقال قتادة في قوله ‏{‏وجمع فأوعى‏}‏ قال‏:‏ كان جموعاً قموعاً للخبيث‏.‏

 الآية رقم ‏(‏19 ‏:‏ 35‏)‏

‏{‏ إن الإنسان خلق هلوعا ‏.‏ إذا مسه الشر جزوعا ‏.‏ وإذا مسه الخير منوعا ‏.‏ إلا المصلين ‏.‏ الذين هم على صلاتهم دائمون ‏.‏ والذين في أموالهم حق معلوم ‏.‏ للسائل والمحروم ‏.‏ والذين يصدقون بيوم الدين ‏.‏ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ‏.‏ إن عذاب ربهم غير مأمون ‏.‏ والذين هم لفروجهم حافظون ‏.‏ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ‏.‏ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ‏.‏ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ‏.‏ والذين هم بشهاداتهم قائمون ‏.‏ والذين هم على صلاتهم يحافظون ‏.‏ أولئك في جنات مكرمون ‏}‏

يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة ‏{‏إن الإنسان خلق هلوعاً‏}‏، ثم فسره بقوله‏:‏ ‏{‏إذا مسه الشر جزوعاً‏}‏ أي إذا مسه الضر فزع وجزع، وانخلع قلبه من شدة الرعب، أيس أن يحصله له بعد ذلك خير ‏{‏وإذا مسه الخير منوعاً‏}‏ أي إذا حصلت له نعمة من اللّه بخل بها على غيره، ومنع حق اللّه تعالى فيها‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏{‏شر ما في الرجُل‏:‏ شح هالع وجُبن خالع‏)‏ ‏"‏رواه أبو داود‏"‏‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلا المصلين‏}‏ أي إلا من عصمه اللّه ووفقه وهداه إلى الخير، ويسر له أسبابه وهم المصلون ‏{‏الذين هم على صلاتهم دائمون‏}‏ قيل‏:‏ معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها، قاله ابن مسعود، وقيل‏:‏ المراد بالدوام ههنا السكون والخشوع كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون‏}‏ قاله عقبة بن عامر، ومنه الماء الدائم وهو الساكن الراكد؛ وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة؛ فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده لم يسكن فيها ولم يدم، بل ينقرها نقر الغراب، فلا يفلح في صلاته؛ وقيل‏:‏ المراد بذلك الذين إذا عملوا عملاً داوموا عليه، وأثبتوه كما جاء في الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قلّ‏)‏، قالت‏:‏ وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا عمل عملاً داوم عليه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم‏}‏ أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات، ‏{‏والذين يصدقون بيوم الدين‏}‏ أي يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين هم من عذاب ربهم مشفقون‏}‏ أي خائفون وجلون، ‏{‏إن، عذاب ربهم غير مأمون‏}‏ أي لا يأمنه أحد إلا بأمان من اللّه تبارك وتعالى، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين هم لفروجهم حافظون‏}‏ أي يكفونها عن الحرام، ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن اللّه فيه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ أي من الإماء، ‏{‏فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون‏}‏ وقد تقدم تفسير هذا بما أغنى عن إعادته ههنا تقدم تفسيره في أول سورة ‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون‏}‏ أي إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، ‏{‏والذين هم بشهاداتهم قائمون‏}‏ أي محافظون عليها لا يزيدون فيها، ولا ينقصون منها ولا يكتمونها ‏{‏ومن يكتمها فإنه آثم قلبه‏}‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين هم على صلاتهم يحافظون‏}‏ أي على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة، واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها،

‏{‏أولئك في جنات مكرمون‏}‏ أي مكرمون بأنواع الملاذ والمسار‏.‏

 الآية رقم ‏(‏36 ‏:‏ 43‏)‏

‏{‏ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ‏.‏ عن اليمين وعن الشمال عزين ‏.‏ أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ‏.‏ كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ‏.‏ فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون ‏.‏ على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ‏.‏ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ‏.‏ يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون ‏.‏ خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ‏}‏

يقول تعالى منكراً على الكفّار الذين كانوا في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهم مشاهدون لما أيده اللّه به من العجزات الباهرات، ثم هم شاردون يميناً وشمالاً فرقاً فرقاً، ‏{‏كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة‏}‏، قال تعالى‏:‏ فما للذين كفروا قبلك مهطعين‏}‏ أي فما لهؤلاء الكفّار الذين عندك يا محمد ‏{‏مهطعين‏}‏ أي مسرعين نافرين منك، قال الحسن البصري ‏{‏مهطعين‏}‏، أي منطلقين، ‏{‏عن اليَمين وعن الشمال عزين‏}‏ واحدها عزة أي متفرقين، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏فما للذين كفروا قبلك مهطعين‏}‏ قال‏:‏ قبلك ينظرون ‏{‏عن اليمين وعن الشمال عزين‏}‏ العزين‏:‏ العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به، وعن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏عن اليمين وعن الشمال عزين‏}‏ أي متفرقين يأخذون يميناً وشمالاً يقولون‏:‏ ما قال هذا الرجل‏؟‏ وفي الحديث‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حلق فقال‏:‏ ‏(‏مالي أراكم عزين‏؟‏‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة، ورواه أحمد ومسلم والنسائي بنحوه‏"‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا‏}‏ أي أيطمع هؤلاء، والحالة هذه من فرارهم عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم، ونفارهم عن الحق، أن يدخلوا جنات النعيم‏؟‏ كلا بل مأواهم جهنم، ثم قال تعالى مقرراً لوقوع المعاد والعذاب بهم مستدلاً عليهم بالبداءة‏:‏ ‏{‏إنا خلقناهم مما يعلمون‏}‏ أي من المني الضعيف، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألم نخلقكم من ماء مهين‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏فلينظر الإنسان مما خلق * خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب‏}‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلا أقسم برب المشارق والمغارب‏}‏ أي الذي خلق السماوات والأرض، وسخّر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها، ‏{‏إنا لقادرون على أن نبدل خيراً منهم‏}‏ أي يوم القيامة نعيدهم بأبدان خير من هذه فإن قدرته صالحة لذلك، ‏{‏وما نحن بمسبوقين‏}‏ أي بعاجزين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون‏}‏، واختار ابن جرير ‏{‏على أن نبدل خيراً منهم‏}‏ أي أمة تطيعنا ولا تعصينا وجعلها كقوله‏:‏ ‏{‏وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم‏}‏، والمعنى الأول أظهر لدلالة الآيات الأخر عليه، واللّه سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فذرهم‏}‏ أي يامحمد ‏{‏يخوضوا ويلعبوا‏}‏ أي دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم، ‏{‏حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون‏}‏ أي فسيعلمون غب ذلك ويذوقون وباله، ‏{‏يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون‏}‏ أي يقومون من القبور، إذا دعاهم الرب تبارك وتعالى لموقف الحساب، ينهضون سراعاً ‏{‏كأنهم إلى نصب يوفضون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ إلى علَم يسعون، وقال أبو العالية‏:‏ إلى غاية يسعون إليها‏.‏ ‏{‏نُصُب‏}‏ بضم النون والصاد وهو الصنم، أي كأنهم في إسراعهم إلى الموقف، كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه، ‏{‏يوفضون‏}‏ يبتدرون أيهم يستلمه أول، وهذا مروي عن مجاهد وقتادة والضحّاك وغيرهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خاشعة أبصارهم‏}‏ أي خاضعة ‏{‏ترهقهم ذلة‏}‏ أي في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة ‏{‏ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون‏}‏‏.‏